سر الشعر الأسود :

يحكى أنه في قديم الزمان … كان يوجد منزل جميل صغير ، يقع وسط جزيرة خضراء ، يحيط بها نهر كبير يجري في هدوء ..
النهر الهادئ تشرب منه الطيور و الحيوانات في سعادة و سلام … و يروي أرض الجزيرة الخضراء .. فتنبت بها الأزهار و الورود و الأشجار ، و كان يسكن في هذا البيت الصغير ، فتاة إسمها (جدائل)…رائعة الجمال ، و لها وجه دائم الإتسام ، و شعرها أسود طويل ، ناعم كالحرير ، يصل إلى قدميها .. و كانت جدائل تعيش مع جدها الكبير ، تساعده و تعد له الطعام و الحلوى ، و تخدمه بكل حب و احترام . و قد تعلمن جدائل تربية الحيوانات و العناية بالمزرعة ، و صيد السمك ، و ركوب الخير من جدها (حكيم ) الذي قام بتربيتها بعد وفاة والديها … و أفاض عليها من علمه و حنانه و رعايته الشيء الكثير … و في يوم من أيام الربيع الجميلة ، و نسيم الهواء يداعب أوراق الشجر ، و الأغصان تتمايل ، و العصافير تغني . خرجت (جدائل) كعادتها إلى النهر ..و كانت ترتدي ثوبا طويلا هفهافا  ناصع البياض و معها قطتها و حصانها ، جلست (جدائل) تصطاد  السمك ، ومر وقت طويل و شعرت بالتعب ، فأسندت ظهرها إلى جدع شجرة كبيرة و سرعان ما راحت في نوم عميق في ظلال الشجرة ، و هبت نسمات الهواء ؛ فطار سعرها الأسود ، و غطى بعض وجهها ، و استقر الباقي وراء ظهرها ، فظهرت كأنها تنام على وسادة حريرية سوداء و فجأة …

استيقظت جدائل على صوت ضجة … فرأت من بعيد عددا من الجنود الفرسان يركبون خيولا سوداء …. و على رأسهم قائد شاب يركب حصانا أبيض و ظلت جائل في مكانها ، تنظر إليهم في دهشة ، دون أن تتكلم و كأنها في حلم ، ثم رأت أحد الجنود يقترب منها ؛ و يحدثها .. و لكنها  ، و لكنها لم تجبه لشدة دهشتها من وجود أشخاص غرباء في هذه الجزيرة .. التي هي مملكتها الخاصة .. لها و لجدها .. أسرعت بالنظر إلى الجنود ثم نظرت إلى قائدهم فرأتهم يلتفون حوله ، و يساعدونه في إقامة خيمة .. فأخدت تنظر و عيناها الواسعتان تتساءلان من استفهام على ما يحدث … و قطع عليها الجندي حيرتها قائلا :

ـ ألا يوجد أحد غيرك في هذه الجزيرة ؟

فقالت جدائل مسرعة :

ـ من أنتم ؟ و من أين جئتم ؟

فقال لها الجندي :

ـ ألم تسمعي عن بلاد الملك (فارس ) و ابنه الأمير (سيف) ؟ و أشار الجندي إلى قائدهم

ففهمت جدائل أن هذا هو الأمير (سيف) … ثم أعد الجندي سؤاله مرة أخرى :

ـ ألا يوجد أحد غيرك في هذه الجزيرة ؟

فأجابت جدائل قائلة :

ـ يوجد جدي في المنزل . هل تريدونه ؟

قال الجندي : نعم ..

ـ إنتظروني حتر أدلكم على الطريق .

ذهب الجندي إلى الأمير (سيف ) و أخبره بما قالته جدائل و دهش الأمير عندما علم أن أحدا يعيش في هذه الجزيرة …

سأل الأمير الجندي قائلا :

ـ أين وجدتها ؟

ـ فأجاب الجندي :

ـ وجدتها تحت ظلال هذه الشجرة الكبيرة ، و التي تتدلى منها الغصور كالشعور …

و لاحظت جدائل أن الجندي يشير إليها ، فنهضت وشعرها ينسدل على ظهرها ، فبحثت عن شريطها ، و ربطت شعرها الطويل و سارت قليلا ، فأفاقت قليلا ، و أدركت أن ما تراه ليس حلما ، إنه حقيقة … حقيقة واقعة أمام عينيها ، فازدادت دهشتها  وركبت حصانها في صمت و ذهول ، و انطلقت يتبعها موكب الأمير، و قطتها تحاول اللحاق بها … و العصافير تطير من حولها و كأنها طير جميل ، يطير وسط الطيور ، في خفة و رقة و سرور …

 و كان الموكب ما يزال بعيدا عن البيت عندما وصلت الأصوات و الضجة إلى جد جدائل فخرج من البيت منزعجا ليعرف الخبر ، رأى الجد حفيدته فوق حصانها…و رأى خلفها ذلك الموكب العجيب ، الذي لم ير مثله من قبل فركب حصانه … و أسرع إليهم فلما وصل  ، وقف الجد ينظر إليهم ، ووقف الجنود و قائدهم و الأمير (سيف) ينظرون إليه ، و بعد قليل رأت جدائل الأمير قائد الجنود يقترب من جدها ببطء ، و عندما وصل إليه أخرج سيفه من غمده  ، و رفعه في الهواء ، ثم انحنى أمام الجد باترام شديد و هو يقول :

ـ كم أنا سعيد برؤيتك أيها الرجل العظيم ، العالم الحكيم

 فتعجب الجد و قال بدهشة :

ـ و هل تعرفني ؟

 قال الأمير :

ـ نعم ألست أنت حكيم هذا الزمان ؟ الذي تساعد كل إنسان …؟

لقد تعبت كثيرا حتى أصل إليك …و جاء عليّ وقت كدت فيه أن أفقد الأمل في العثور عليك و لكن الحمد لله .. و أخيرا .. وصلت إليك .. و أنت كما قالو تماما … و ازدادت دهشة الجد و قال :

ـ من الذي قال هذا ؟ من الذي قال لك أني حكيم الزمان ؟

قال الأمير

ـ كلهم قالوا هذا  وأخرهم ذلك الشيخ الطيب الذي قابلته قبل أن أحضر إلى هذه الجزيرة الجميلة .. لقد وصفك لي و هأنذا أراك كما قالتماما .. و سكت الأمير قليلا ثم قال و هو ينظر إلى جد جدائل  باحترام عظيم :

ـ ألا ترى يا سيدي الشيخ الجليل .. أن كل الصفات تنطبق عليك .. و على هذا المكان الجميل الذي تعيش فيه .. ؟

قال الجد :

ـ على أي حال .. هل هناك خدمة أستطيع أن أقدمها لك …؟

قال الأمير :

ـ أنا لا أستطيع الإفصاح عما أريد إلى لحكيم الزمان …

قال جد جدائل :

ـ و هل انا هو حكيم الزمان الذي تبحث عنه ؟

ـ إن الصفات التي سمعتها من الشيخ الطيب تنطبق عليك يا سيد .. و الشيخ الطيب نفسه يبحث عنك … لأن لك شأنا عظيما ، و من يصاحبك يتعلم منك الكثير.. و قال لي الشيخ الطيب أيضا أن حكيم الزمان عنده سر كبير يحتفظ به منذ مدة طويلة و من صفته أنه لا يبوح بالأسرار و لهذا لا أريد أن أتحدث عن سري إلا معه… قال جد جدائل :

ـ يا بني إن إسمي حكيم و هذا مجرد إسم ، و لكن أنت تريد شخصا ؛ صفته أنه حكيم الزمان … فكيف أستطيع أن أساعدك ؟

قال الأمير:

ـ تساعدني بأن تجعلني أرى يدك اليمنى .. لأن الشيخ الطيب قال لي إن فيها علامة …

فتردد جد جدائل قليلا ثم قال :

ـ و كيف هذا الشيخ الطيب أن يدي فيها علامة … ؟

قال الأمير :

ـ هذا الشيخ الطيب كان يعرف حكيم الزمان .. في يوم من الأيام… ثم افترقا ..

 و ظل الشيخ الطيب يبحث عن حكيم الزمان  حتى الأن و يعيش على أمل أن يلقاه في يوم من الأيام ..

 و سكت الأمير قليلا ثم قال :

ـ هل تسمح بأن أرى يدك اليمنى …؟

سكت جد جدائل قليلا … ثم كشف عن يده اليمنى .. فظهرت فيها علامة طويلة ، كأنها أثر جرح كبير ، فأسرع الأمير ؛ وجلس على ركبتيه أمام جد جدائل و أخد يده بين يديه …  واخد يقبلها في احترام و خشوع ..

مد الجد يده… ورفع الأمير ..فلما وقف الأمير على قدميه قال :

ـ لقد تأكدت الأن أنك  أنت حكيم الزمان ، و لا تستطيع يا سيدي أن تعرف مقدار سعادتي إلا بعد أن تعرف سري ، الذي أريد أن أطلعك عليه وحدك …

قال جد جدائل :

ليتني أستطيع أن أساعدك يا بني .. إن إسمي كما قلت لك (حكيم)  و لكني لست حكيم الزمان … و على كل حال يسعدني أن تقيم معنا في هذه الجزيرة أنت و من معك ، و سأحاول أن أساعدك بقدر ما أستطيع .

قبل الأمير هذه الدعوة و شكر جد جدائل ، و دخل معه البيت الصغير ، فوجده بيت بسيطا ، و لكنه أية في الجمال ، و النظافة و التّنسيق البديع ، تفوح من أنحائه رائحة الورد ، و في كل حجرة نوع من الزهور .

أقام الأمير مع الجد (حكيم) في البيت ، و أقام الجنود في خيامهم حول البيت ، و جلس الأمير (سيف) يحكي للجد ؛عن بيته و أسرته و قال له :

ربما تكون قد سمعت عن أبي إنه الملك (فارس) و هو قائد شجاع . له بطولات كثيرة ، و هو ملك عادل ..كريم  يحبه شعبه  و يتمنى له طول العمر ..

قال الجد (حكيم) :

ـ إني يا بني تركت هذا العالم منذ مولد حفيدتي جدائل ، لقد ماتت أمها بعد ولادتها ، و مات أبوها بعد قليل ، فأخدتها و أمت في هذه الجزيرة ، التي لم يكن بها أحد من الناس و مند ذلك الوقت و نحن نقيم هنا بعيدا عن الدنيا و ما فيها و من فيها .

ـ إني يا سيدي الحكيم أشكر الله لأني وجدتك ، و أشعر  أن حل مشكلتي سيكون على يديك ، إنها ليست مشكلتي في الحقيقة ، ولكنها مشكلة أبي الملك (فارس) إنه مريض و لا أحد من الشعب يعرف هذا فنرضه سر ، لا يعرفه إلا الملك و الملكة و الوزير و الطبيب و أنا ابنه (سيف) …

وهو مرض غرب عجيب حار فيه الطبيب، و حار فيه كل أطباء الدول ؛ و المرض يزداد كل يوم ، حتى أن أبي لم يعد يستطيع الظهور كثيرا أمام الشعب …

 قال الجد (حكيم) : هل يشكو الملك من شيء معين ؟

ـ قال الأمير : العجيب أنه لا يشكو من شيء خاص ،  و لكنه دوما يشعر بالتعب .. و منذ عامين ، في مثل هذا الوقت من السنة ، في أوائل الربيع ، وجدنا الملك حزينا .. ينظر إلى السماء و كأنه يعاتب نفسه على شيء فعله .

و منذ ذلك الوقت و هو يلازم الفراش ثم حدثت ظاهرة غريبة : بدأ شعره الأسود الثقيل يتساقط .. حتى أصبح خفيفا جدا و أخد يقول لي دائما :

ـ ابحت لي عن حكيم الزمان … فهو دائي و دوائي

قال الجد (حكيم) :

ـ قد يكون سقوط شعر الملك نتيجة لضعفه ، هل يأكل جيدا ؟

أجاب الأمير :

ـ في الحقيقة أن الملك أصبح قليل الرغبة في الأكل ، و أصبح طعامه قليلا جدا ..

و سكت الأمير و تردد قليلا …ثم قال :

ـ و عندنا في بلادنا اعتقاد سائد بأن من يتساقط شعره من غير سبب ..يكون قد فعل ذنبا في حق شخص أخر … و الله لا يرضي عن الذنوب …و الناس في بلادنا يعتقدون أن الشخص المذنب عندما يشعر بذنبه .. و يطلب المغفرة من الله فإن الله يفكر عن ذنبه بسقوط شعره …

و في نفس الوقت يظهر للشخص الأخر شعر جديد جميل … و يكون هذا الشعر الجديد الجميل هو الدّواء الذي يشفي الشخص المذنب المريض …

و نحن نخشى أن يعرف الناس حقيقة مرض الملك ، فيكون هذا علامة سيئة في حق الملك العظيم (فارس)…

استمع الجد (حكيم) لكلام الأمير ، و فكر قليلا ثم قال :

ـ هذا اعتقاد حقا ، و لكن لكل بلد معتقداته و أنا من ناحيتي سأحاول أن أبحث في كتبي عن علاج لهذا المرض العجيب ، لعلى أساعد على شفاء هذا الملك العظيم ، فأنا لا أحب أن تفقد بلادكم ملكا عادلا محبوبا كما تقول … و مرت الأيام و الأمير و جنوده في ضيافه الجد (حكيم) . و كانت جدائل تصنع الطعام و الحلوى لضيوف جدها .. و الجد يبحت في الكتب ، تساعده (جدائل) أحيانا و يساعده الأمير (سيف) في بعض الأحيان . و مرت الأيام و لم يجدوا في الكتب شيئا عن هذا المرض الغريب ، فقال الجد (حكيم) :

ـ يظهر أن هذا مرض نفسي و ليس مرضا في غضون من أعضاء الجسم ، و لهذا فهو لا عالج بالدواء

و قد يكون العلاج عند الملك نفسه ، إذا استطاع أن يقول ما يخفيه ، و ربما كان المرض مرتبطا بالإعتقاد السائد في بلادكم ن و ربما كان الملك معتقدا بأن سقوط شعره دليل على أن الله سيغفر له ذنبه …

وفي يوم من الأيام ..قال الجد (حكيم)للأمير (سيف):

ـلقد تأخرت كثيرا في العودة إلى أبيك الملك (فارس) ..من غير أن تجد له الدواء حتى الأن ، و من الواجب ألا تتأخر أكثر من هذا

قال الأمير (سيف) :

ـ يا سيدي الشيخ الجليل ، لقد عشت معك فترة ، و عرفتك عن قرب ، و أنا الأن أعتقد أنك (حكيم زمان ) ، لأنه لا يوجد أحد مثلك في كل البلاد التي مررت بها ، و لم أقابل قبل هذا شخصا في مثل علمك و حكمتك .. فأرجو أن تقبل طلبي ، و تسافر معي ، و تسافر معي ، إلى حيث يقيم الملك .. فمن يعلم .. ؟ قد يجعل الله شفاء الملك على يديك …

و سكت الأمير و قد ترقرقت الدموع في عينيه ، و هو يتذكر أباه المريض ثم نظر إلى جد (حكيم) نظرة فيها حيرة و رجاء …

استجاب الجد (حكيم) لطلب الأمير (سيف) ووعده بالسفر معه إلى بلاد الملك (فارس)…

بدأت (جدائل) تجهز ما يحتاجونه في السفر ، و قدم الأمير صندوقا جميلا إلى الجد (حكيم) و قال له : أرجو أن تقبل مني هذه الهدية المتواضعة ..إنها بعض الجواهر التي أحضرتها معي ، لأبيعها عندما أحتاج إلى نقود .. و الحمد لله لقد هداني الله إليكم ، فلقيت من كرمكم ما جعلني في غير حاجة إلى أن أبيع شيئا منها . و نحن الأن عائدون إلى بلاد الملك (فارس) ، و لهذا فإني لم أعد في حاجة إلى هذه الجواهر ، التي أقدمها كهدية متواضعة ، لا تساوي شيئا إلى جوار ما لقيته هنا من عطف و كرم ، و ما تعلمته من علم و حكمة ، فقبل الجد (حكيم) الهدية و شكر الأمير …

 و في معاد السفر ، أمر الجد حفيدته بألا تظهر شعرها   ، إلا في وقت وصولهم إلى قصر الملك ..و أن تحافظ عليه أشد المحافظة .

رحل الموكب عن الجزيرة ، و معه الجد و حفيدته ، و كان في داع الموكب الطيور و الحيوانات الصغيرة … و كانت العصافير تطير من فوق رؤسهم … تزقزق و كأنها تبكي ن و الأزهار تتمايل و كأنها تلوح لهم بالأيدي و النهر يجري و يجري ، كي يكون قريبا من ذلك الموكب حتى النهاية ، و كانت (جدائل ) تلقي بالحب على الأرض للعصافير …و تلوح لكل شيء في الجزيرة مودعة و مر الموكب ببلاد و بلاد … و كان يقف عند كل بلد للراحة ..

و لم يذكر الجد (حكيم) أو (جدائل) ، سبب سفرهم إلى بلاد الملك (فارس) لأحد من الفرسان ، فقد كان الموكب المرافق للأمير (سيف) لا يعلم شيئا عن مرض الملك … لأنهم صاحبوا الأمير في رحلاته ، ظنا منهم أنهم أنه يبحث عن (حكيم الزمان ) لأمر يخصه هو ، و لا يخص الملك .. و انتشر بين الموكب ،  أن الأمير سيتزوج جدائل ، و لهذا جاءت هي و جدها معهم إلى بلادهم لإتمام مراسم الزواج .

 و في بلد من البلاد التي مروا بها … اشترى الجد (حكيم) لحفيدته (جدائل) توبا جميلا من الحرير الأبيض ، به نقوش من الورد ، كما اشترى لها حذاء فضيا ، ووشاحا بديعا من الحرير ، طلب منها أن تغطي به شعرها .

و عندما وصل الموكب إلى بلاد الملك (فارس)، وجدوا جموع الشعب في استقبالهم و أخد الناس يقلون عليهم الورد و الرياحين …

و عمت الشعب كله فرحة كبيرة ، لعودة الأمير إلى البلاد بعد هذه الغيبة الطويلة …

 و أخد الجميع يتساءلون : من هذه الفتاة ؟ و من هذا الرجل الكبير ؟ و انتشر بين الشعب أن هذه الفتاة هي ( الأميرة القادمة ) فازدادت فرحة الناس … و أقاموا الليللي السعيدة ، احتفالا برجوع الأمير، و ما توقعوه من خطبته لهذه الفتاة الجميلة …

دخل الأمير (سيف) القصر ، و معه الجد (حكيم) و حفيدته جدائل ؛ و هي ترتدي توبها الحريري الأبيض ، و قد أطلقت شعرها الأسود الطويل وراء ظهرها ، و زينته بالجواهر كما قال لها جدها ، ووضعت الوشاح حول وجهها ، ووضعت في أحد أصابعها خاتما جميلا بديعا أعطاه لها جدها ، و لم يكن من جواهر الأمير (سيف ) .

وكان في استقبالهم كبار رجال الدولة و على رأسهم الوزير و طبيب  الملك ، ثم حضرة الملكة لإستقبالهم ، و كان القصر آية من آيات الجمال و جدرتانه تزينها النقوش الفنية البديعة المطلية بماء الذهب و أرضه يغطيها  السجاد الفاخر و في كل مكان لا تقع العين إلا على لوحة رائعة ، أو تحفة فنية ثمينة مزينة بالآلئ و الأحجار الكريمة …

رحب الجميع بالجد (حكيم) و حفيدته (جدائل)و حكى الأمير (سيف)للملكة و الوزير كل ما حدثله ، و كيف بحث و سأل حت وصل إلى الجد (حكيم)، و كيف استجاب الجد لرجائه ، فحضر مع حفيدته …

و عندما أرادو الدهاب إلى مقابلة الملك … طلب منهم الجد أن تذهب حفيدته وحدها في أول  الأمر … فوافقو جميعا و قالت الملكة :

لك ما تشاء يا (حكيم الزمان ) 

و جلس الجد مع حفيدته (جدائل) ووضح لها ما تعمله عندما تقابل الملك .. و طلب منها أن تنفذ كلامه بكل دقة

سارت (جدائل) بتوبها الحريري الأبيض المنقوش بالورد ، و شعرها الأسود الطويل ، الذي تلمع فيه الجواهر ..كأنها نجوم في سماء الليل …فظهرت (جدائل) و كأنها ملاك يسير في طرقات القصير البديع ، و عندما اقتربت من حجرة الملك ، شعرت بقلبها يدق بشدة ، و لكنها طرقت الباب برفق ، ثم دخلت الحجرة بهدوء ، و اقتربت من فراش الملك ، فوجدته نائما  ؛ و قد ارتسمت على  ملامحه علامات الحزن و الألم … ؛ وقفت (جدائل) لحظات تستجمع فيها قوتها و شجاعتها ، ثم اقتربت أكثر من سريرالملك ، و نادته بصوت خافت :

ـ مولاي

فاستيقظ الملك على  هذا الصوت الرقيق ، و فتح عينيه  ، فحسب نفسه يحلم ، و حسب أنه يرى في الحلم ملاكا جميلا ، و لم يتبين ملامح وجه (جدائل) ، لأننها كانت تغطي جزء كبيرا من وجهها بالوشاح الحريري الأبيض … و استدارت لتخلع الوشاح … فرأى الملك شعرها الأسود الطويل ، و الجواهر تلمع فيه كأنها نجوم الليل ؛ ففتح الملك  عينيه ينظر إلى هذا الشعر الطويل مبهورا ثم التفتت إليه (جدائل)  و قد كشفت عم وجهها ، فزداد دهشة الملك و زاد انبهاره ، و شعر و أنه ينتقل إلى عالم آخر ، و قال يحدث نفسه :

ـ من المؤكد أني رأيت هذا الوجه من قبل . ثم نظر إليها مطولا  ، و كأنه يحاول أن يتذكر شيئا حدث منذ زمن بعيد ، و قال بصوت ضعيف :

ـ من أنت ؟ و ما اسمك ؟

فأجابت :

ـ أنا حفيدة (حكيم الزمان ) ، و إسمي (جدائل)..

فظهرت علامات السعادة على وجه الملك ، و ملأت الفرحة نفسه ، و قال :

ـ حكيم الزمان … هل أتى معك حكيم الزمان ؟؟

قالت : نعم ..

فقال الملك : و كيف عرفتم بمرضي ؟

فقالت (جدائل):

من الأمير (سيف) لقد أتى إلى جزيرتنا ، التي أعيش  فيها أنا و جدي  و قص علينا حكايتك يا مولاي ، و كان الملك ينظر إليها و هي تتكلم فوقعت عينه على الخاتم ، الذي في إصبعها ، فأخد يتألمه باهتمامشديد ثم قال :

ـ إنه خاتم جميل .

ثم نهض فجأة و سألها بصوت قوي :

ـ من أين جئت بهذا الخاتم ؟

فتراجعت (جدائل) إلى الوراء في دهشة و قالت :

ـ ماذا بك يا مولاي ؟ إنه خاتم جدي ، فما سبب هذا السؤال ؟

قال الملك :

ـ من المؤكد أني رأيت هذا الخاتم من قبل … و رأيتك أنت أيضا ، رأيتك تلبسين نفس  الثوب الأبيض ، رايتك بشعرك الأسود الطويل ، الذي تزينه نفس هذه الجواهر ، و رأيت وشاحك الأبيض ، حتى حذاؤك الفضي ، رأيته من قبل …واستمر يقول و كأنه يحدث نفسه :

ـ متى كان هذا ؟ و كيف ؟ شيء عجيب ؟

و كانت (جدائل) تنظر إليه بدهشة ، فلاحظت أن علامات  الحزن و الألم التي كانت على وجهه قد تغيرت  وحلت محلها ملامح السعادة و الأمل ثم قال :

ـ أين جدك (حكيم الزمان) أين هو ؟ أريد أن أراه فورا ..في الحال،فخرجت (جدائل)من حجرة الملك ، و أسرعت تجري في طرقات القصر حتى وصلت إلى جدها و الملكة و الأمير و الوزير و الطبيب ، و قالت لجدها بسرعة :

ـ الملك يريد أن يراك في الحال لقد تغير كثيرا

فقال الجد :

ـ لا أريد أن يصعد معي أحد سوى (جدائل) و في طريقهم إلى غرفة الملك ، حكت له جدائل كل ما حدث ، و عندما وصل إلى حجرة الملك طرق الجد (حكيم) الباب مرتين ، ثم فتح الباب بهدوء قائلا و قد أحنى رأسه قليلا :

ـ السلام عليكم يا مولاي الملك (فارس)

فالتفت الملك ، و قال : من ؟

قال الجد:

ـ أنا حكيم الزمان جئت لمساعدتك يا مولاي ، و تذكيرك بما مضى ، ثم رفع الجد وجهه ، و نظر إلى الملك نظرة جعلته يقول :

ـ من …؟ من أنت..؟ هل هذا معقول …؟؟؟

و اقترب الملك من حكيم الزمان و قال :

ـ أنت أبي … يا للمفاجأة هل هذا معقول ؟؟

ثم ارتمى بين أحضان (حكيم) و هو يقول : اغفر لي يا أبي ، ما كنت أعلم أنت حي ترزق ، لقد أسأت إلى أخي الصغير ( الأمير سالم )و طردته من البلاد ، حتى لا ينازعني في الحكم ، و غضبت عليه و على زوجته ، ابنة العم التي لا ذنب لها ، و عندما علمت أنها ستضع في أوائل الربيع مولودا سارعت بالتخلص منها  و طردتها هي الأخرى خارج البلاد ، لقد كنت إنسانا سيئا يا أبي ، و أعماني الطمع و الرغبة في الحكم ، أرجوك يا أبي أن تسامحني ، لقد قضيت طول عمري أسأل الله أن يغفر لي ، وقد ندمت حقا بعد أن علمت أن زوجة أخي قد وضعت مولودة صغيرة ، ثم توفيت  و لحق بها أخي ، إني أشعر بالندم الشديد ، أرجوك يا أبي … ، أنا في حاجة إليك   … و أخد الملك يبكي بحسرة و ألم ، و (جدائل) تنظر في دهشة و ذهول ، و هي لا تكاد تصدق أذنيها ، و فجأة أحست (جدائل) بالدموع تطفر من عينيها و هي تهمس إلى نفسها قائلة :

ما هذا الذي أسمعه ؟ هل هذه حقيقة ؟ أم أني في حلم ؟  الأمير سالم هو أبي و المالك فارس هو عمي ؟ و جدي حكيم هو أبو الملك ؟؟؟؟؟هل كان هذا هو السر الذي كان جدي يخفيه ؟

يــاله من ســـر كبــيـــــر 

و اتجه الملك فارس إلى جدائل و هو يقول :

ـ ابنة أخي العزيزة … سأعوضك عن كل ما فات هل تعلمين أني أرى فيك والدتك أمامي … إنك تشبهينها تماما ؛ في الشكل و الصوت و الحركة ، أرجوكي يا ابنتي سامحيني يا جدائل ، قبل الملك فارس ابنة أخيه بحنان ، بينما كان الجد (حكيم) يرتب على كتف الملك و يقول له : كفى كفى ، هون عليك يا ولدي …

و هنا دخل الأمير سيف ، فرأى هذا الموقف ؛ ووقف مدهوشا ، لا يفهم شيئا مما يرى و يسمع ، و لاحظ الملك وجود ابنه سيف فأخده من يده و قال له :

ـ هذه ابنة عمك الأميرة سالم ، و هذا أبي السلطان الكبير (حكيم)و هو (حكيم الزمان)

الذي كنت في حاجة شديدة إليه ؛ لقد كان في وقته أعظم الناس و أكترهم حكمة ؛ و في إحدى المعارك بيننا و بين الأعداء اختفى و بحثنا عنه فلم نجده ، فحسب الجميع أنه مات ، و حزن الشعب كله حزنا طويلا ، و لكني كنت أحس دائما أن أبي حي ، و لهذا كنت أقول لك يا سيف أحضر لي حكيم الزمان ، إنه دائي و دوائي ، و التفت الملك فارس إلى أبيه حكيم ، و استمر يقول :

ـ إن أبي هو الذي يستطيع أن يكمل لنا بقية ما حدث قال الجد (حكيم) :

ـ بعد انتهاء المعركة ، قابلني أحد حراس القصر ، و أخبرني كيف أن الملك فارس ، قد أخرج أخاه الأمير سالم و زوجته من البلاد ؟ و عزلهما في مكان بعيد ، فذهب إليهما متخفيا ، و معي الحاررس الوفي ، وهناك وجدت زوجة الأمير سالم ن قد وضعت طفلة صغيرة جميلة ، هي أنت يا جدائل ؛ توفيت والدتك بعد وقت قصير ، فحزن الأمير سالم عليها حزنا شديدا ، و توفي هو أيضا ؛ و كان كل هذا صدمة كبيرة لي ، فأخدت جدائل و هي طفلة صغيرة و قررت ألا أعود إلى بلادي ، حتى لا يراني ابني الملك فارس ؛ الذي تسبب في موت أخيه و زوجته ؛ و سافرت و معي الحارس الوفي ، و في الطريق مررنا بالبلدة التي اشتريت منها الثوب و الحذاء و كانت والدة جدائل تشتري منها كل حاجياتها .

و في هذه البلدة قابلنا أحد الرجال الصالحين ، و كان شيخا كبيرا وقورا ؛ له لحية بيضاء طويلة و كنا في يوم من أيام السبت ، و أنا أذكر هذا اليوم تماما ؛ لأن الشيخ الكبير دهش عندما رأني و رأى معي جدائل الرضيعة ، و سألني عن امسي و جدائل و قلت له :

ـ إسمي حكيم و هذه ابنة ابني  ، فحكى لنا الشيخ حلما عجيب و قال :

ـ لقد رايت منذ يومين واحد في ليلة الجمعم ، حلما غريبا بدأ يتحقق ؛ رأيت أني قد قابلت رجلا فضيلا يشبهك تماما يا سيدي معه طفلة صغيرة حديثة الولادة ، وشعرها طويل ووجهها كأنه قمر تشبه ابنة ابنك جدائلتمام الشبه ؛ و رأيت حصانا أبيض لم أرى أجمل منه في حياتي ، جاء الحصان الأبيض لا أدري من أين ؛ ووقف أمامك يا سيد حكيم فركبت أنت و جدائل ، و لاأيت كأن الحصان الأبيض قد نبتت له أجنحة و طار بكما في السماء ، و ظهرت حولكما مجموعة من الحوريات الجميلة ، تعزف ألحانا بديعة ، و هبط بكما الحصانفوق سحابة بيضاء ؛ و رأيت فوق السحابة قصرا كبيرا تكون في الحال ؛ و دخلت أنت و ابنة إبنك جدائل في هدا القصر ، و صحوت أنا من النوم .

لقد كان حلما غريبا حقا ، و لكن ما هو أغرب أن الحلم تحقق في الصباح ، و رأيتك أنت و جدائل كما كنتما في الحلم تماما ؛ يا سيد حكيم إن ابنة إبنك جدائل سيكون لها شأن كبير فحافط عليها ؛ فإن الله يسجري الخير على يديها و تركنا هذه البلدة ؛ و مشينا ، و تاه منا الحارس الوفي في أحد الأسواق البلدة ، بعد أن سمع هذا الحلم العجيب ، و بحثنا عنه فلم نجده ، و استقر بنا المقام في تلك الجزيرة الخضراء الجميلة ، التي قابلنا فيها سيف ثم التفت الجد الحكيم إلى سيف و قال :

ـ يظهر أن الشيخ الطيب هو الحارس الوفي الذي تاه منا في تلك البلدة

انتهى الجد من قصته  …فالتفت إليه ابنه الملك فارس و قال له :

ـ و هل عفوت عني الأن يا أبي ؟

قال الجد :

ـ غن الله يعفو عن الناس ؛ و ما دمت قد ندمت على ما فعلته فإن الله هو الغفار الرحيم ، إن الله يغفر الذنوب جميعا يا ولدي ؛ ذاع بين الناس نبأ عودة السلطان حكيم فعمت الأفراح البلاد ؛ و تنازل السلطان حكيم عن الحكم لإبنه فارس، و شفي الملك بعد أن إنزاح عن صدره هذا الكابوس المخيف و رضى عنه أبوه .

 و تم الزواج الأمير سيف من الأميرة جدائل و أقيمت الأفراح في الجزيرة الخضراء ؛ و سميت جزيرة الشعر الأسود ، و عين الأمير سيف حاكما على الجزيرة التي رحل إليها آلاف من الأهالي و قامو بزراعتها و تعميرها …

و عاشت الجزيرة في سعادة و سلام ، و الأمير سيف يضرب به الثال في العدل و التسامح ….

و مـــــــــرت الأيـــــــأم …

و ازدهرت الحياة في جزيرة الشعر الأسود و أصبح يضرب بها المثل في الغنى و الثروة و الإنتاج الوافر الذي عاد على أهلها جميعا بالخير و البركات ….