الفأرة البيضاء 

 _كان في ماض الزّمان رجل ارمل اسمه « حريص » وكان يعيش مع ابنته و اسمها « وردة » وكانت امّها قد انتقلت من هذا العالم ، بعد ايّام قليلة من ولادتها.

نشأت وردة نشأة صالحة ، و ازدانت بكتير من الفضائل ، و كان ابوها و كان ابوها قد عوّدها ان تطيعه طاعة عمياء ، فكانت لا تخالف له امرا من الأوامر ، وكان كلّ همّه ، أن ينتزع من نفسها رذيلة الفضول التي تعيب اكثر الناس ، فما كانت تخرج ابدا من حديقة المنزل المحاطة بالأسوار العالية ، و لا كانت ترى احدا غير والدها ، فلم يكن في المنزل لا خدم ولا حشم ، و كان ابو وردة يغمرها بجميل الملابس و الكتب و الالعاب ، و يمعن في ادلالها و جلب السرور لنفسها .

_و كانت وردة قد ألفت هذا الصنف من العيش و أحبته ، و ما خطر ببالها عيش سواه .

و كان في نهاية الحديقة كوخ بغير نوافذ ، وله باب واحد مغلق دائما، وكانت وردة تظنّ ان الكوخ مكان توضع فيه الأدوات التي تستعمل في تنظيف الحديقة ، و حرثها و زرعها ، فاحتاجت يوما الى رشّاشة تسقي بها ازهارها ، فقالت لوالدها: « اعطني ياأبي ، دام فضلك ،مفتاح كوخ الحديقة ، فأنا في حاجة الى رشّاشة » فقال والدها: « ليس في الكوخ يا وردة رشّاشة من الرشّاشات » 

_وكان صوت ابيها « حريص » مضطربا حين لفظ هذه الكلمات ، فأطالت « وردة » النظر اليه ،و استغربت ان تراه اصفر الوجه ، يتصبّب العرق من جبينه ، فسألته قائلة :         

  « ماذا بك يا والدي » 

فقال لها أبوها :        

  « لا شيء يا ابنتي لا شيء »

فقالت « وردة » :        

  « هل أزعجك يا والدي اني طلبت مفتاح الكوخ ? ماذا في هذا الكوخ ? و لماذا أثار فيك هذا الهلع و الأضطراب ؟ ».

فقال ابوها « حريص » :  

  « ما فيه شيء يهمك يا « وردة » و إنّك لتعلمين أنّي لا أحب الأسئلة  ، وأنّ الفضول رذيلةٌ شنيعة ».

_فلم تجب « وردة » و لكنّها لبتث تفكّر و تقول في نفسها :   « ماذا عسى هذا الكوخ يحتوي ?  ولماذا اصفر وجه والدي عندما طلبت منه أن أدخل الكوخ هل خاف من الخطر الدي قد اتعرض له إذا دخلت هذا المكان العجيب ? ولكن أبي يدخله كل يوم…لعله يحمل معه الطعام لوحش ضار محبوس فيه…لا.لا.فلو كان فيه مثل هذا الوحش ، لسمعت زئيره او خواره ،او وقفت على حركته و مضطر به…على انه لم يطرق مسمعي أي صوت صادر من هذا الكوخ ، فالذي فيه إذن ليس بوحش و إلا كان التهم والدي عندما يدخل عليه..و لعله مربوط برباط وثيق..فإن صحّ هذا فأنا ايضا لا أتعرض لخطر من الأخطار إذا دخلته… »

و لم يوقضها من هذه الأفكار و الاراء ، إلا صوت أبيها يناديها بلهجة مضطربة ، فهرعت إليه ، ووجدته على حال مخيفة من الإصفرار و الإرتياع ، فعزمت أن تتظاهر بالبهجة و السرور و عدم المبالاة ، حتى تهدئ من روع أبيها ، و تتمكن الظفر بالمفتاح .

_و كانت « وردة » ستبلغ الخامسة عشرة من عمرها بعد ثلاثة أسابيع ، و كان أبوها قد وعدها بمفاجأة لطيفة يوم عيد ميلادها ، فقال لها أبوها دات صباح: 

« إني مضطر يا حبيبتي أن أغيب عنك نحو ساعة ، فانتظريني في المنزل و حاذري من الفظول ، فسوف تعلمين بعد ثلاثة أسابيع ، ما أنت مشتاقة الآن إلى معرفته ، فاصبري وحاذري يا ابنتي من الفضول ».

و قبّل « حريص » ابنته و ابتعد سائرا إلى غايته ، فلما خلا الجو لابنته  « وردة » سارعت إلى غرفة أبيها ، و لَشَدَّ ما فرحت فرحاً لايوصف ، عندما رأت المفتاح قد نسيه أبوها فوق المنضدة ، فتناولته و جرت مسرعة إلى نهاية الحديقة ، و حينما بلغت الكوخ تَذَكَّرَت كلمات أبيها حين قال لها: « حاذري من الفضول » ، فتردَّدت قليلاً ، و كادت تعود بالمفتاح من حيث أتت ، دون أن تفتح الكوخ ، لولا تَنَهُدٌ خفيف كان ينبعث من الكوخ ، فألصقت أذنها بالباب ، فسمعت صوتا ضعيفا يغني غناء هادئا و يقول : « أنا الأسيرة ..أنا الوحيدة ..وعما قريب.. ألاقي مصرعي.. في هدا المكان ».

 أثر في« وردة » هذا الغناء فقالت :  « من أنتِ و ماذا عسايَ أَفعَل مِن أَجلِكِ ؟ » 

 فقالت صاحبة الصوت : « افتحي الباب يا وردة بحق السماء »

فقالت « وردة » : « ولكن من سجنك في هذا الكوخ ؟ هل ارتكبت ذنبا من الذنوب ؟ »

 فقالت صاحبة الصوت : « كلا يا « وردة » ، إن بعض السَّحَرَةِ هو الذي سجنني في هذا الكوخ ، فأنقذيني أَكُنْ لك من الشَّاكِرات ، و أَقُصَّ عَلَيْكِ قصَّتِي وَ  أُخْبِرْكِ مَنْ أَنَا ». 

فغلب الفضول على الطاعة في نفس « وردة » فعمدت إلى المفتاح ، و أدخلته في ثقب القفل ، و أدارته فانفتح الباب ، وو بلغ سمعها صوت يقول : « شكرا يا « وردة » إني مدينة لك بالنجاة ». 

 وخيل إلى « وردة »  أن الصوت منبعث من جوف الأرض ، فأجالت بصرها في أطراف الكوخ ، فلمحت في زاوية منه عينين صغيرتين براقتين ، تنظران إليها في مكر و خبث ، ثم قالت صاحبة هاتين العينين :   « لقد انطلت حيلتي عليك يا « وردة » و جعلتك تخضعين لفضولك ، فالآن وقد انقذتني فانتِ و أبوك أصبحتما في قبضتي »

 أدركت « وردة »  أن والدها قد سجن في ذلك الكوخ عدوا خطيرا ، فأرادت أن تهرب و تقفل الباب ، فسمعت صوتا يهيب بها قائلا : 

 « مكانك يا « وردة »  فما عاد في استطاعتك أن تحْبِسينِي في هذا المكان الشنيع ، ولا في استطاعتي أن أخرج منه لو انتظرت أن تبلغي الخامسة عشرة من عمرك ».  

_وما هي إلا هنيهة ، حتَّى توارى الكوخ من الوجود ، و بقي المفتاح في يد « وردة » المدهوشة الذَّاهِلة ، ثمَّ وقع بصرها على فأرة صغيرة بيضاء براقة العينين ، كانت تضحك على مقربة منها ضحكا يُشبه الصقير ، حتى إذا انتهت من الضحك سمعتها تقول :  « ما ألطفك يا « وردة »  ، وما أجمل أن كنتِ 

شديدة الفضول ، فلقد مر عليَّ خمسة عشر عاما ، وأنا حبيسة هذا الكوخ الفظيع ، عاجزة أن أتناول بالأذى ، أباك الذي أكرهه كماأكرهك أنت أيضا ، لأنّك ابنته …إني عدوَّة أسرتك يا عزيزتي ، وإن اسمي هو الجنيّة المكروهة وثقي أنى اسم على مسمى ، فكل الناس تكرهني ، وَلَسَوف أتبعك حيث ذهبت »

  _فقالت  « وردة »  : – و أتركيني أيتها الشقية » .

وركضت  « وردة »   إلى المنزل ، وكانت كلما التفتت إلى الوراء ، رأت الفأرة تركض هي أيضا ضاحكة هازئة ، وعندما وصلت إلى المنزل ، أرادت أن تستحق الفأرة بإغلاق الباب عليها ، ولكن الباب بقي مفتوحا ، والفأرة عند العتبة ساخرة بما بذلته «« وردة »  من جهد ذهب ضياعا .

 واستولى على « وردة »  غضب شديد ، فتناولت مكنسة وَأَهْوَتْ بمقبضها على الفأرة ، فاحْترقت المكنسة ، وكاد اللهب يصل إلى يد« وردة » ، فألقت بالمكنسة من يدها ، ودفعتها بقدمها إلى الموقد ، مخافة أن يَمسَّ اللّهب أرْض الغُرفَةِ فَتَحْتَرِق .

فَأَخَذَت « وردة » ، المسكينة تُجْهِشُ بالبكاء ، وهي لا تدري ماذا تفعَل ، وَأَحَسَت بحركة عند الباب ، فَعَلِمَت أن والدها قد عاد فصاحت : 

   «  . آه ! آه ! هذا والِدِي قَد رَجَع ، فَرُحَماكِ أيتها الفأرة ارحلي عن هذا المكان فلا يراكِ أبي » .

 فقالت الفأرة : 

  لا . لست براحلة ، ولكنِّي سأختبىء وراء قدميك ، إلى أن يقف والدك على عصيانك ».

  ولم تكد الفأرة تَفُوهُ بهذه الكلمات ، حتى اختفت وراء قدمَيْ « وردة »  ، وَدَخَل « حريص » أبو د « وردة » ، فحَدَق إليها طويلا ، وَراعَهُ مِنها اصفرارُ وجهها ، وَخوْفُهَا الْبادِى عَلَى مُحَيَّاها ، فقال لها بصوتٍ مُضطَّرِبٍ : 

– . لقد نسيت مفتاح الكوخ يا « وردة »  فهل رأيته ؟ »

فقدَّمَت « وردة »  إليه المفتاح ، وَقَدِ احمَرَّ وَجهَها وقالتْ : « ها هُوَ ذا يا أَبِي . فَفَهِمَ أبوها ما حَدَث وَصاح : 

  « وردة » أَيَتَهَا الشَّقِيَّة ، ماذا صَنَعْتِ ؟ لقد خضعت لفضولك اللَّعين ، وأنقذت بذلك عَدُوَتَنَا اللَّدُود » 

فانْطَرَحَتْ « وردة » عند قَدَمَيْهِ وقالتْ :

– «  عفْوَكَ يا أَبِي ، فما كنت أدْرُِك الشَّرَّ الذي أصْنَعُهُ . . فقالَ أبُوهَا : 

  «  إنه الشَّرُّ الذي يجلبه العِصْيان ، وَإنّ فاعله ليَعْتقِدُ أَنَّهُ شرٌّ مُسْتصْغَر ، في حين أنَّه ضررٌ كبير ».

 – فقالت « وردة » :

 – . ما هذه الفأرة التي تُثير في فيكَ هذَا الخَوْفَ الرَّهيبَ يا أَبِي ؟ ! »

 فقال أبوها : -«  هذه الفأرة يا ابنتي هِي جنيَّةٌ شرِّيرة قَدِيرَة ، وأنا الجنِّيُّ « حريص » ، أمَّا وقد أنْقَذْتِ عَدوَّتي  اللَّدُود ، فلا حرج عَلََّي إذا أنا أطلَعْتُكِ عَلَى ما كنت أخفيه عنكِ ، حَتَّى بَلَغي الْخامِسَةَ عَشْرَةَ من عُمْرِك . . . فاعْلَمى إذَنْ أنِّى الجنِّىُّ « حريص »  كَمَا قلتُ لك ِ، وأن أمَّك كانت مَخْلُوقَةً من الْبشَر ، غَيْرَ أنَّ فضائِلَهَا ، قد شَغَفَتْ قَلْبَ مَلِكَةِ الجِنِّيَّات وَمَلِك الجانّ ، فسمَحَا لي بأن أتزوَّجهَا ، فأقمت الولائِمَ والمآدِبَ احتفاءً بزواجِي ، ولكنِّي وَيا لِلأَسَفِ ، نسيتُ أنْ أدعو إليها الجنّيَّة المكروهة ، وكانت تُضْمِرُ لِي حقدًا بالغًا بعدما رفضتُ أن أتزوجَ إحْدَى بَنَاتِها ، فَسحَبَتْ ذلِكَ الْحقْدَ إلى زوجَتِي وأبنَائِي . وَبَعدَ أن وُلِدت أنتِ بِسَاعَاتٍ قليلة ، شعَرَت اُمّك بأوجَاعٍ حادّة ، لم أستطع أن أشفِيَهَا مِنْهَا ، فَغبت عَنْهَا قليلًا ، وَجَرَيْتُ أسْتَنْجِدُ مَلِكَةَ الجِنيات ، فاغْتَنَمَتْ الجنيَّةُ الشِّرِّيرة فَرَصة غيَابِي وَأهْلَكَتْهَا ، وكادَتْ تمْهَرُكِ بجميع الرَّذائلِ والشُرُورِ ، فأوقَفْتُهَا في اللَّحْظة التي مَهَرَتْكِ فيها بفضُول سوف يُشْقيكِ ويجعلك تحت سلطَانِها ، مُدَةَ خَمسَةَ عَشَرَ عَامًا ، غَيْرَ أنِّي بِسُلْطَانِي وسُلْطَانِ مَلِكة الجِنِيَاتِ ، أبطلْنَا بعْضَ تَأْثِيرِهَا ، وَقَرَرَنا أنَّك إذا بلغْتِ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ من عمركِ ، فلن تكوني خَاضِعَة لهَا ، إلا إذا قادَكِ الفضولُ قبل ذلك ثلاث مَرَّاتٍ إلى خَطِير العصْيانِ . وشاءت مَلِكة الجنيَّاتِ . . أن تُعاقب الجنِّيَّة المكروهة ، فَمَسَخَتَهَا فَأرَة ، وَحَبَسَتْها فِي الكُوخِ الَّذى رأيته ، وَقَضَت عَلَيْها بألاَّ تخرُج منْه يا « وردة » ، ما لَم تفْتَحِي أنْتِ لَهَا البَابَ برغبتك واختياركِ ، وَ قَضت عَلَيْها كَذَلك بألَّا تعُودَ إلى شَكْلهَا الأوَل ، مَا لَمْ تَدخُلِى ثَلاثَ مَرَّاتٍ في تجْرِبَة الفُضُول ، قَبْل بُلوغِكِ الخَامسَةَ عَشْرَةَ ، فإن قاوَمْتِ هَذَا المَيْلَ الشَّنِيع ، وَلَو مَرّةً واحِدَة ،نَجوْتِ و نَجَوْتُ أنَا أيْضًا مِن سُلْطَان

الجنِّيَّة المكرُوهَة ، فَوَعَدْتُ نَفْسِي بِأنْ أنْشِئكِ بَعِيدَة مِن رذِيلَة الفُضُول المَمْقوتَةِ الَّتِي قدْ تعرضك لكثير من الشرور .

 ولقد دفعتني هذه الغاية إلى أن أسْكنَك هَذا المنزلَ المحاطَ بالأسوَار ، وإلى أن أَحُولَ بينك وبين أمثَالكِ . حتَّى ظنَنْتُ أنِي نجَحْتُ في خُطَتِي ، وأنَكِ بعْد ثَلَاثَةِ أسَابِيع ، سَتبْلُغين الخَامسَةَ عشْرَةَ مِن عُمْركِ ، وسَتَتَحَرَّرِينَ مِن قيْدِ الجنيّة المكرُوهَة ، فلَمَا طلَبْتِ منِي هَذَا المفْتَاحَ ، أمَرَتْنِي مَلكَةُ الجنّيَّاتِ ، أنْ أجعَلَ التَّجربَةَ فِي مُتنَاوَلِ يَدِكِ ، حتَّى تَكون مقَاوَمَتُكِ جدِيرَة بِالثَّناء ، فَأذْعَنْتُ الأمر ، وَعرضتك للخطر ، وكنت في هذه الساعة التي غبت فيها عنك ، فريسة عَذاب أليم والآن وقد اقترب موعد الخلاص ، فلا يزال في استطاعتك أن تكفري عن خطيئتك ، بأن تقاومي رذيلة الفضول ، فإن فَعَلْت فمُقدَّر لك أن تُزَفي في الخامسة عشرة من عُمرِك ، إلى أمير من أهلنا ، هو الأمير « لطيف » ، فيا ابنتي الحبيبة ، قاومي وتذرّعى بالشجاعة ، لا من أجلى ، بل من أجلك . فقالت : « وردة » : 

– «  أقسم لك يا أبي إني سأكف عن خطيئتي ، ولكن لا تتركني فقد تخونني الشجاعة إذا أنت ابتعدت منى ، فقال أبوها : 

– « هيهات يا ابنتي ، فلم يعد في إمكاني أن أبقى إلى جانبك ، وأنا الآن تحت سلطان عدوى ، وَلَن تسمح لي أبدا بأن أعيش على مقربة منك ، لاحذرك من الشِّباك التي تنسجها لك يدها الأثيمة ، والغريب أنّي لم أرَها حتى الآن ، فمنظر حُزني سوف يثير فيها المُسَرّة والحبور »   فقالت الفأرة بصوتها المسلوخ ، وَقَد بَرَرَت للجني  « حريص » المسكين :

 – « كنت قريبة منك عند قدمي ابنتك ، فَوَدِّعْ وردتك الحبيبة ، إنها سوف تصْحبُنِي ، وَحَذار أن تتبعنا » . . قالت هذا وأمسكت بأسنانها الصغيرة الحادّة ذيل ثوب « وردة »  ، وقادتها إلى حيث تريد ، فصاحت « وردة » صياح الألم ، وتشبتت بأبيها ، ولكن أحَسَت بقوّة لا تقاوم ، تدفعها إلى حيث تجرّها الفأرة ، وهَمَّ « حريص » ، المسكين بأن يقضى عَلَيْها ، فتناول عصا طويلة ، وَرَفَعها يريد أن يضرب بها الفأرة ، وقبل أن يهوى بها عَلَيْهَا ، وَضعَت قدَمَها فوق قدم « حريص »  ، فامْتَنَعَ عَن الحركة كَأَنَّهُ تَحَوّل إلى تمثال ، وتابعت الفأرة أعمالها الشّريرة ، وأحرقت المنزل وتركته طعماً للنار ، ثم ودّعت « وردة » أباها ، رجاءً أن تنقذه إذا هي بقيت على قيد الحياة وقالت له :  -«  إلى اللقاء يا أبي بعد أيام قليلة . . . إن ابنتك « وردة » ، سوف تنقذك بعد أن كانت سببًا في ضياعك . . وَعَلى الأثَرِ هربت من المنزل المحترق ، وسارت على غير هُدَى ساعات طويلة ، إلى أن قابلت سيدة كانت جالسة عند باب بيتها ، فقالت لها : – « إنني يا سيدتي فتاة جائعة متعبة ، فهل تتفضلين بأن تستضيفيني عندكِ الليلة ؟ ورأت « وردة » عندئذ الفأرة البيضاء ، تنظر إليها في سخرية ،فحاولت أن تطردها ، فذهبت مساعِيهَا عَبَثًا ، فَلَمّا رأت السيّدة هذا النضال ، هزت رأسها وقالت : – « اذهي يا فتاتي في سبيلك ، فليس لك موضع في بيتي » . فأذعنت « وردة »  لكلام السيدة ، وأكملت سيرها ، ووصلت إلى غاية لقيت فيها جدول ماء ، فشربت منه حتَّى ارْتَوَتْ ، وَلَقيَت كذلك كثيرًا من الثمار ، فأكلت حتى شبعت ، وكانت في كل هذا تفكر في أبيها ، وماذا يكون مصيره في الأيام الباقية على بُلُوغها الرّبيع الخامس عشر ، وَبَيْنَما كانت مستسلمة إلى التفكير ، أغمضت جَفْنَيْهَا هربا من رؤية الفأرة اللَّعينة ، فأخذ منها التعب ونامت نوَمَا عَميقا . وكان الأمير « لطيف »  في تلك الأثناء يصطاد في الغابة ، ويطوف بها في ضوء المشاعل ، فَسَلْ عَن دهْشتِهِ ولَا عَجَب ، عندما شاهد فتاة جميلة نائمة في الغابة ، ولا حارس يحرسها ، فقال لضباطه : 

– « هيِّئُوا لها فراشا أضع فوقه مِعْطَفِي ، وأبقى ساهرا عَلَيْها حتى تستفيق » .  ثم رَفَعَها بِيَدَيْه ، وكانت لا تزال نائمة ، ووضعها فوق معطفه ، وكأنّما كانت تحَلَم ، فَرَآها تبتسم ، وسمعها تهمس قائلة : « أبي . . أبي . . لقد نجا . . . ملكة الجنيات . . الأمير « لطيف ». . . إني أراه . . . ما أجمله ! » فَدهش الأمير لمَّا سمعها تلْفَظُ اسمه ، وَأَمَرَ بنقلها إلى غرفة جميلة في قصره تنام فيها ، وأوصى بأن يَسْتَدَعُوه عندما تستيقظ .

  نامت « وردة » حَتى صباح اليوم التالى ، وعندما صحّت أجالت نظراتها حولها ، فلم تقع على الفأرة البيضاء ، ففرحت كثيرا ، ومشت إلى النافذة ، فشاهدت رجالاً مُدجَّجِين بالسلاح في بزة عسكريّة برّاقة ، فهَمَّتْ أن تستدعي واحدا منهم ، تستوضحه كثيرا من الأمور ، فسمعت وقع خطوات ، ففتحت باب غرفتها وإذا بها ترى الأمير « لطيف » كان مقبلا إليها ، في ثوب فاخر من ثياب الصَّيد ، فأطال النظر إليها في رقَّة وإعجاب ، فعرفت « وردة » به أمير أحلامها ، فصاحت عن غير قصد : 

– « الأمير « لطيف »  .

 فقال الأمير مدهوش : « هل تعرفينني ؟ »

فقالت « وردة » وَحُمرة الخجل تصبغ خديْها : – «  لمْ أركَ إلا في الحلم  ».

  وقصَّت « وردة » على الأمير القصة التي رَوَاها لها أبوها ، واعترفت في سذاجة وَبَراءة ، بما جرَّها إليه الفضول من أخطاء ، وما أسْفَر عَنه من نتائج سيئة ، وَقَصَّ عَلَيْها الأمير لطيف ، كيف رآها نائمة في الغابة ، وما سمع منها من كلمات في حلمها ثم قال :

«  إن الَّذي لم يقله لك أبوك ، هو أنِّى ابن عمك وَأَنْ قريبَتنَا ملكة الجنيات ، كانت قد قرّرت أن تكوني زوجتِي عندما تبلغين الخامسة عشرة من عمرك ، فهي التي قد الْهمَتني ، ولا شك ، أن أذهب للصيد في ضوء المشاعل ، حَتَى أراك في الغابة ، فاقْبَلِي يا عزيزتي قصري مقرا لك ، ما دمت سَبَلَغين الخامسة عشرة بعد أيام قليلة ، ولَسَوْف يَعُودُ إليك أبوك فنحتفل بزواجنا » . فشكرت « وردة » ابنَ عَمِها شكرا جزيلا ، وَتَناوَلَت طعام الإفطار مَعَه ، ثم صحبها إلى الحديقة ، وَأَراها مُنَوَّعَ الأزهار والتمار ، وكان في بعض زوايا الحديقة ، صندوق يُخيَّلُ إلى الرّائي أنه يحْوِى شجَرَةً صغيرة ، ولكنَهُ مُغَطَى بقطعة قماش مخيطة عليه ، فَسَأَلت « وردة » الأمير : 

-«  ما هذه الشجرة المغطاة بهذا الغطاء الكثيف فقال الأمير في سرُور ومَرَح : 

– « هي هديَّة عرسنا ، ولكن يجب ألا تنظري إليها قبل أن تبلغي الخامسة عشرة من عمرك وتصبحي زوجتي . . بهذا قضت ملكة الجنيات ، وإلا تَعَرّضنا لكوارث فظيعة ، وأعتقد أن حبّك إياي ، سيحُول بينَكِ وَبَينَ فضولك في هذه الأيام القليلة الباقية . 

 فاضطربت « وردة » لهذه الكلمات الأخيرة التي ذَكَّرَتْهَا بالفأرة البيضاء ، وبالنّكبات التي تُهَدِدُها ، فتركت الشجرة وَغِطاءهَا ، وتابَعَت هي و الأمير نزهتهما في الحديقة . ومضت الأيام التالية في مآدب وأحفال صيّدٍ وَنُزه ، إلى أن جاء يوم الانتظار الأخير ، وفي غده ستبلغ « وردة » الخامسة عشرة من عمرها ، واتَّفقَ أن كانت « وردة » في صباح ذلك اليوم ، تتنزه وَحَدَها في حديقة القصر ، فَجرَتها قدماها إلى الزاوية التي وضع فيها الصُّندُوق المغطى فَقَالَت  في نفسها :

«  غدًا أعرف ماذا يخبئ هذا الغطاء ، ولو اردت لعرفته في الحال . ففي الغطاء فتحات صغيرة يمكن أن تتسع لإصبع من أصابعي ، أستطيع بها أن أشق الغطاء . . وأجالَت بَصَرها حولَها فَلَمْ تَرَ أحدا ، وأنساها الفضول ما أمَرَها به الأمير من رعاية وحب ، كما أنساها ما يُهدِدُها من أخطار ، فأدخلت إصبعها في فتحة من الفتحات . وشدّت على الخط الذي يجمع طرفي الفتحة ، فانشق الغطاء بدَوِيَّ يشبه الرَعْد ، وبدت الى « وردة »، شجرة جذعها من المرجان ، وأوراقها من الزّمرد ، وثمارها من الحجارة الكريمة من كل صنف ولون ، فما كادت تبصر هذه الشجرة الغريبة التي لا مثيل لها ، حتَّى دوَّي في الجو صوت أشدّ من الأول انتزعها من ذهولها ، وشعرت أن قوة خفية قد رَفَعتها . ونقلتها إلى سهل لمحت من قصر الأمير ينهار ، وسمعت منه أيضا أنينا يقطع الأكباد ، وَينبعث من خرائب القصر ، ورأت الأمير نفسه بعد قليل ، يخرج من تلك الخرائب ، دامي الوجه ، مُمزَّق التياب ، وَيَتَقدّم مِنها قائلاً بلهجة حَزينَة : 

 – « يا « وردة » ، يا منكرَة الْجَمِيل ، أنظرى ماذا فعلت بي وبرجال بلاطي ، فَعَسَى نَدَمُك يكَفرُ عن جحودِك ،نحو أمير شقي أحبك ولم يرغب إلا في سَعادتك  » . 

فطأطأت« وردة » رأسَها ، وانهمرت الْعَبَراتُ من عينيها ، ولما رفعت رأسها تريد أن تنظر إلى الأمير متوسلة مستعطفة ، كان الأمير قد اختفى ، فَكاد يُغمَى عليها ، ورأت عندئذ الفأرة البيضاء الصغيرة تثِبُ أمامها وتقول لها : 

– : أشكريني يا « وردة »، على ما بذلت لك من معونة فأنا التي وفرت لك أحلامك الجميلة ، التي تدور حول غطاء الشجَرَة ، وَأَنا التي قَرَضت ذلك الغطاء ، لأمكنك من مشاهدة ما تحته ، فهياَّ ارتكبي حماقة أخرى من حماقات الفضول ، تكونى لي طول عمرك . »

 _ فقالت « وردة » في نفسها:

 – . إنها لخطيئتي ، فَلَولا فضولى لما استطاعت الفأرة البيضاء ، أن تُزَين لى ارتكاب ما ارتكبت مِن ذَنب عظيم ، فلا بد لي من أن أكفر عن ذنبي ، وَأَتَحَمّل الآلام ، وأقاوم التجربة المقبلة ، مهما كانت صعبة ، وكيفما كان الأمر ، فلم يبق لي إلا أن أنتظر بضع ساعات ، فَأَميري على حق حينما قال ، إن سعادته وسعادة أبي وَسَعادَتي مَرَهُونة بي . . فلم تجب« وردة » عن إغراء الفأرة البيضاء ، وصممت أن تبقى في مواجهة القصر الذي تحول إلى أنقاض . وقضت  « وردة » نهارها على تلك الحال ، فلما أقبل الليل ، ولف الكون بظلامه ، اقتربت منها سيدة عجوز وقالت لها :

 « هل لك يا آنستي الجميلة ، أنْ تحفظي لديك هذه العلبة ، حتى أعود من زيارة أخت لي تسكن هذه الضواحي ، فالعلبة ثقيلة علي »

فقالت « وردة » وكانَت فَتاة تحب خدمة الآخرين :

– « حُباً وَكرامةً يا سيدتي »

 فَسلَمَتْها السيدة العجوز العلبة وقالت :

 – أشكرك يا آنستي الجميلة ، وأوصيك ألا تنظري إلى محتوى هذه العلبة ، فَهُوَ أَمر مُحَرّم عَلَى كُل إنسان ، ثم إني لن أغيب عنك طويلا . . وسارت السيدة العجوز في طريقها بعد أن فاهت بهذه الكلمات ، فوضعت« وردة » العلبة بجانبها ، وارتقبت عَوَدة صاحبتها ، ولكن طال ا رتقابها ، فألقت « وَرَدَ ، بنظرة على

العلبة ، ودهشت لَّما رأت أن النور ينبعث منها ، فأخذتها بين يديها ، وَقَلَّبَها غَيْرَ مَرَّة ، وأطالت التحديق إلى كل جانب منها ، فلم تتمكن من أن تعرف سرّ ذلك النور المنبعث منها ، فوضعتها ثانية على الأرض وقالت : 

 – مهما كان محتوى هذه العلبة ، فلا يهمني وَلَن أفكر فيه » 

 وأعرضت « وردة » عن النظر إلى العلبة ، ثم سمعت الفأرة البيضاء تقول لها في اضطراب وَلَهُقة : – . وَرَدَة . . . وَرَدة . . . ها أنا ذي قريبة منك ، فَما عدت عدُوَتَك ، وإذا شئت أن أبرهن لك على ذلك أطلعتك على ما تحويه هذه العلبة . ».

 فسكتت « وردة » ولم يكن لدى الفأرة البيضاء وقت تضيعه ، فهجمت على العلبة ، وبدأت تقرض غطاءها ، فأمسكت « وردة » بالعلبة ، وضمتها إلى صدرها وقالت : 

 – . أيها الوحش الضاري ؛ لَوْ لَمست هذه العلبة ضرَبت عنقَك . . فَرَمَت الفأرة البيضاء « وردة » بنظرة يتطاير منها الشَّرر ، ولكنها لم تجرؤ على التعَرض لغضبها ، وَبَيْنَما كانت تفكر في وسيلة تغري بها فَضول « وردة » دقَّت بعض الساعات اثنتي عشرة دقة ، معلنة انتصاف الليْل ، فصاحت الفأرة البيضاء في تلك اللحضة صَيْحَة يأس قاتل ، وَقالَت« وردة » :

 – يا« وردة » : لقد دقّت ساعة مَوْلدك ، وَبَلَغت الخامسة عشرة من عمرك ، وَلَم يبق هناك شيء تخافيه مني ، فالوداع يا « وردة »، وَلَك الآن أن تفتحي العلبة  »

واختفت الفأرة البيضاء بعد أن لفظت هذه الكلمات ، أمّا « وردة » فَقَد جَنّبها الحذر من عدّوتها ، أن تعمل بنصيحتها وَعَزمَت أن تحفظ الْعُلَبَة كما هي حتى طلوع الصباح ، وَلَم تكد تقرّر ذلك ، حتى أصاب العلبة حجر رَمَاهُ غراب كان يحلق فوق « وردة » ، فتحطمت إلى ألف قطعة ، واستولى عَلَى« وردة » دَعر شديد ، بَدَّده وجود مَلِكة الجنيّات أمامها تحييها وتقول لها : 

– « تعالى يا « وردة » إني مُعيدتك إلى أبيك  »

 وَعَلَى الأثر ، رأت« وردة » إلى جانب ملكة الجنيات ، مركبة يُجرها تنّينان ، فركبتها الملكة ، وَأركبت مَعَها« وردة »

وقالت لها : – « إن والدك ينتظرك في قصر الأمير » .

فقالت« وردة » :  – ولكن قصر الأمير قد تهدّم ، والأمير نفسه قد جرح وأحاطت به الفاقة  » 

 فقالت مَلِكة الجنيات : – لم يكُن هذا إلا وهما قصدنا به أن نصور لك بشاعة الفضول ، وَنجَنبك السقوط فيه مرّة أخرى  »

 وَما إن أتَمّت مَلِكة الجنيات هذا الكلام حتّى وَقفتِ المركبة قُرّب باب القصر ، وكان أبو« وردة » والأمير وجميع أهل البلاط ينتظرونها ، فارتمت« وردة » بين ذراعى أبيها ، ثمّ بين ذراعي الأمير ، الذى نسي ما ارتكبته في اليوم السابق . وكان كل شي مُعدًّا لِمَراسيم الزواج ، فاحتُفِل به في الحال ، وشهدت جميع الجنيات الأعياد والولائم التى استمرّت عدّة أيام . وعاش أبو « وردة » مع ابنته وصهرِه ، وشفيت « وردة » من رذيلة الفضول ، وَأَحَبها الأمير حبا شديدا طول حياته ، وَرُزقا بأبناء على جانب كبير من الجمال ، واختارا لهم من العرّابات جنيّاتً مُقتدرات ، يحمينهم من كل جني شرير ، وجنية شريرة . . . . العراب : الاِشبين أو الشاهد في الزواج .